أبي حيان الأندلسي

450

البحر المحيط في التفسير

وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ، لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً . هذه السورة مدنية . وتقدم أن نداءه ، صلّى اللّه عليه وسلّم : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ * ، يا أَيُّهَا الرَّسُولُ * « 1 » ، هو على سبيل التشريف والتكرمة والتنويه بمحله وفضيلته ، وجاء نداء غيره باسمه ، كقوله : يا آدَمُ * « 2 » ، يا نُوحُ * « 3 » ، يا إِبْراهِيمُ * « 4 » ، يا مُوسى * « 5 » ، يا داوُدُ « 6 » ، يا عِيسى * « 7 » . وحيث ذكره على سبيل الأخبار عنه بأنه رسوله ، صرح باسمه فقال : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ « 8 » ، وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ « 9 » ، أعلم أنه رسوله ، ولقنهم أن يسموه بذلك . وحيث لم يقصد الإعلام بذلك ، جاء اسمه كما جاء في النداء : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ « 10 » ، وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ « 11 » ، النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ « 12 » ، وغير ذلك من الآي . وأمره بالتقوى للمتلبس بها ، أمر بالديمومة عليها والازدياد منها . والظاهر أنه أمر للنبي ، وإذا كان هو مأمورا بذلك ، فغيره أولى بالأمر . وقيل : هو خطاب له لفظا ، وهو لأمّته . و روي أنه لما قدم المدينة ، وكان يحب إسلام اليهود ، فبايعه ناس منهم على النفاق ، وكان يلين لهم جانبه ، وكانوا يظهرون النصائح في طرق المخادعة ، ولحلفه وحرصه على ائتلافهم ربما كان يسمع منهم ، فنزلت تحذيرا له منهم وتنبيها على عداوتهم . و روي أيضا أن أبا سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وأبا الأعور السلمي قدموا في الموادعة التي كانت بينهم وبينه ، وقام عبد اللّه بن أبي ، ومعتب بن قشير ، والجد بن قيس فقالوا له : ارفض ذكر آلهتنا وقل : إنها تشفع وتنفع ، وندعك وربك ؛ فشق ذلك عليه وعلى المؤمنين ، وهموا بقتلهم ، فنزلت . وناسب أن نهاه عن طاعة الكفار ، وهم المتظاهرون به ، وعن طاعة المنافقين ، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر . فالسببان حاويان الطائفتين ، أي : ولا تطع الكافرين من أهل مكة ، والمنافقين من أهل المدينة ، فيما طلبوا إليك . وروي أن

--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 41 - 67 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 33 . ( 3 ) سورة هود : 11 / 32 . ( 4 ) سورة هود : 11 / 76 . ( 5 ) سورة البقرة : 2 / 55 . ( 6 ) سورة ص : 38 / 26 . ( 7 ) سورة آل عمران : 3 / 55 . ( 8 ) سورة الفتح : 48 / 29 . ( 9 ) سورة آل عمران : 3 / 144 . ( 10 ) سورة التوبة : 9 / 128 . ( 11 ) سورة الفرقان : 25 / 30 . ( 12 ) سورة الأحزاب : 33 / 6 .